جاسم الهارون

دليل الطالب الجامعي

إدارة الحياة


صنف ستيف كوفي، صاحب كتاب العادات السبع للأشخاص الأكثر فعالية، علوم إدارة الوقت إلى أربعة أجيال. الجيل الأول، وهو الأقدم، كان جيل التركيز على الوقت من ناحية ساعات اليوم، ففيه الإهتمام بمواعيد بدء العمل ومواعيد الإنتهاء منه، واستخدمت في هذا الجيل قوائم العمل اليومية، أو ما يعرف بـ (To-Do-List). والتي يكتب فيها الشخص المهام المطلوب منه إنجازها، يعمل على المهمة، وحين ينتهي منها يشطبها من القائمة، وعندما ينتهي اليوم، تنتقل جميع الأعمال الغير منجزة لليوم التالي، وهكذا. يعيب الجيل الأول غياب النظرة المستقبلية، أو التخطيط للأعمال. فتوزيع الأعمال غير متساوي على أشهر السنة، والشخص إذا لم يستغل وقت فراغه، أو الايام التي لا ضغط عمل فيها، لإنجاز بعض الأعمال التي لم تطلب أو لم يحن موعد تسليمها، ستأتي أيام يكون فيها العمل متكدساً، ولن يجد الوقت لإكمال الأعمال بالشكل المطلوب.

استخدمت التقاويم السنوية ودفاتر المواعيد في الجيل الثاني لإدارة الوقت، وذلك بهدف التحضير والتخطيط للأعمال المستقبلية. وبدأ استخدام مواعيد التسليم للمهام، وهي لو أضفت لها تقدير للوقت اللازم لإنجاز كل مشروع، سيصبح لديك تصور جيد عن الموعد اللازم لبدء العمل.

الجيل الثالث، لاحظ أن الأعمال المطروحة في جدول المهام، تختلف درجة أهميتها من عمل لآخر، وبالتالي كان لابد من معرفة وترتيب الأولويات، لتكون الأعمال اليومية متوافقة معها. أخيراً الجيل الرابع، كانت نظرته أكثر شمولية، فوازن بين الأولويات، وقدم الأولوية والأهمية على العجلة، وأصبحت إدارة الوقت تعرف بإدارة الحياة.

نقاط قوتك وضعفك ودورك في الحياة:

توزيع المهارات العقلية والجسدية والعاطفية، جعلت كل شخص منّا فريد من نوعه، إدراكك لنقاط قوتك وبماذا تتميز عن أقرانك يجعلك تتوقف عن ندب حظك، والنظر بعين الحسد لما عند غيرك. فكما أنهم أفضل منك في جوانب، تأكد من أنك أفضل منهم في جوانب أخرى. وفي الوقت ذاته، معرفتك لنقاط ضعفك، هو الوقود والمحفز على الإصرار وبذل المزيد من الجهد لسد العجز. خلال حياتك ستلاحظ أنك تمر بمراحل، وكل مرحلة ستحتاج فيها إلى نوع من المهارات لإجتيازها. وما تجده نقطة ضعف اليوم، قد يكون نقطة قوة في المستقبل. المهم أن لا تتوقف، أو تتحسر على ما عند غيرك، تحمّل واجتهد، وتأكد أن المستقبل يبنى على حاضرك، فلا تستعجل ولا تلهث وراء السهل والراحة.

تحديد نقاط قوتك، ستدلك على دورك في الحياة. ولأنك مسلم، أنت تعرف نصف الإجابة على سؤال (ما هو دورك في الحياة؟) وهو عبادة الله والسعي للحصول على رضاه عز وجل. وللنصف الآخر، يجب أن تعلم بأن الطرق إلى رضى الله تعالى متعدد وكثيرة جداً. مساعدة الناس أحدها، وكذلك طلب العلم الشرعي أو الدنيوي، أو السعي لخير البشرية. أثناء سنوات دراستك في الجامعة، حاول اكتشاف نفسك وقدراتها، سواء من خلال دراستك، أو قراءتك العامة، علاقاتك الإجتماعية، أو الأنشطة اللامنهجية. ولا يعني ذلك أنك ستبرز وتنتج من خلال تخصصك الجامعي فقط، فهناك مجالات عديدة غير التخصص تستطيع من خلالها البروز والإنتاج. ربما تكون لديك قدرة على الإلقاء، أو موهبة في العلاقات العامة، في البناء، التنظيم، مساعدة الآخرين، وغيرها. وقد تمر أيام وربما سنوات قبل أن تكتشف نفسك، لا تقلق، والمهم أن لا تجعل البحث أو التفكير يقعدك عن العمل.

في هذه اللحظة، قد لا يكون دورك في الحياة واضحاً لديك، لكن الوقت يمر، وعجلة الحياة لن تتوقف لحين إكتشافك لنفسك. فحالك في هذه الدنيا، كالمسافر، رحلتك لبلوغ هدفك الأسمى ودورك في الحياة، شاقة وطويلة. وفي أحيان كثيرة الطريق أمامك غير معبد، فتحتاج لشق طريق خاص بك. كل ذلك يجب أن لا يثنيك عن تحديد الوجهة التقريبية لهدفك في الحياة، والبدء بالمسير. وكلما طال بك المسير، ستبدأ ملامح هدفك والطريق إليه بالوضوح.

مثال توضيحي:

لنفترض بأنك اليوم تعتقد بأن الدور الذي تريد تأديته خلال حياتك هو (مساعدة العاطلين عن العمل بالمساهمة في تقليص نسبة البطالة وإيجاد حلول لها). في هذه اللحظة، أنت غير متأكد من قدرتك أو إمكانية تأديتك لهذا الدور. ولكن تقول لنفسك، لن أضيع الوقت بالتفكير في جدوى تحقيق هذا الطموح، أو قدرتي على بلوغه.

تبدأ من التفكير في الإتجاه الذي يتوجب عليك السير فيه، فتختار الدراسة الجامعية في تخصص يساعدك على فهم مشكلة البطالة، أو يزودك بالأدوات اللازمة لإدارة المشاريع وتوظيف العاطلين عن العمل. وتعتقد بأنك من خلال شهادة البكالوريس في الإقتصاد ستنجح في ذلك. فيصبح المعلم الأول لدورك في الحياة هو (حصولك على درجة البكالوريس في الإقتصاد).

تبدأ الدراسة، فتسمع من زملائك، أن البطالة لا حل لها، وتحاول مناقشتهم فلا تستطيع إقناعهم، فتبدأ بالتفكير في تغيير تخصصك. هنا يجب أن تنظر في نفسك وتسألها، هل أنت مقتنع بأن البطالة لها حل، وهل أنت مستعد لتقاتل من أجل بلوغ حلمك. فما يقوله أصدقائك اليوم، سيقوله لك غيرهم بعد تخرجك، هل لديك القدرة على تحمل الصعاب وبذل الجهد، لتحقيق ما يقول عنه غيرك أنه مستحيل؟ لا مشكلة في التصحيح، ولكن تأكد من أنك تفعل ذلك عن قناعة شخصية، لا رغبة في إرضاء الأخرين. أثناء سنوات دراستك، أي قبل بلوغك للمعلم الأول في طريقك إلى دورك في الحياة، إبدء البحث عن المعلم الثاني. فتجيب على السؤال: ماذا سيتوجب عليك القيام به بعد تخرجك بدرجة البكالوريس في الإقتصاد للإقتراب من هدف (مساعدة العاطلين عن العمل)، أو تحقيق جزء منه. من الخيارات التي ستكون أمامك، أن تكون أكاديمياً منظراً في علم الإقتصاد، وبالتالي سيكون عليك الحصول على درجة الماجستير. أو ربما ستبدأ بجمع مال لتأسيس مؤسسة لتأهيل العاطلين عن العمل. إختيارك سيكون نابعاً مما إكتشفته عن مهاراتك وميولك الخاصة أثناء دراستك في الجامعة. وهكذا سيكون حالك لحين بلوغك، دورك في الحياة.

المعالم والأهداف الرئيسية:

المعالم الرئيسيةقد لا يتوجب عليك البدء بالعمل على أهدافك من الآن، ولكن سيكون من الجيد إبقاءها أمام عينيك. لتحاول إقتناص أي فرصة مساعدة تتاح لك خلال حياتك. فمثلاً، أنت الآن في بداية مشوارك الجامعي، لم تؤسس الشركة بعد، ولكن سيكون من المفيد لتحقيق دورك، أن تركز في مواد الإقتصاد على مواضيع البطالة، وتناقش المدرس أو تقرأ من مراجع خارجية عنها. وفي وقتك الحر، قد تسمع بمحاضرة عن كيفية تأسيس شركة خاصة، مهارات إدارة الأموال، فن الإلقاء، أساليب الكتابة، وهذه كلها مهارات ستحتاجها بشكل أو بآخر في تأدية دورك في الحياة. ولاحظ أنها وعلى الرغم من علاقتها بأهدافك، إلا أنها عامة، فحتى لو قمت بتغيير هدفك الرئيسي الثاني والثالث، ستستفيد من الدورات التي أخذتها في أي مجال آخر. لتكون أهدافك واضحة، ويسهل عليك بلوغها، يجب أن يتحلى الهدف بالصفات التالية:

المعلم الأول (5 سنوات من الآن):
الحصول على درجة البكالوريس في الإقتصاد.

المعلم الثاني (10 سنوات من الآن):
جمع مبلغ مالي للبدء بمشروع صغير.
الحصول على درجة الدكتوراة في الإقتصاد.

المعلم الثالث (15 سنة من الآن):
توظيف وتأهيل عدد من العاطلين عن العمل، ووضع حلول تناسب المجتمع.

الصفة الشرح مثال صحيح مثال خاطئ
محدد أن يكون لديك تصور واضح عن الهدف، السبب الذي يجعلك تسعى لتحقيقه، طريقة الوصول إليه، ومن سيساعدك في بلوغه. أريد الحصول على شهادة جامعية. أريد بكالوريس في الإقتصاد، من جامعة العلوم، وسيساعدني والدي مادياً.
يمكن قياسه يمكن ربط درجة تحقيق الهدف، بكمية. مثلاً، قيمة مالية، أجزاء مادية، ساعات دراسية. أرغب إدخار مبلغ من المال لأسافر في الصيف. سأحتاج لـ1500 ريال للسفر، لذلك سأوفر 150 ريال شهرياً.
يمكن بلوغه مدى إمكانية تحقيق الهدف، أخذاً بالإعتبار القدرات الشخصية والعقلية والجسدية، والمتاح من أموال. والجسدية، والمتاح من أموال. للإستعداد للإختبار يجب علي قراءة 3000 صفحة في يومين. سأوزع قراءة الـ3000 صفحة على شهر، إستعداداً للإختبار.
واقعي لا يمكنك بلوغ أهداف تتعارض مع القوانين الفيزيائية والطبيعة البشرية. سأمرن عضلاتي لأتمكن من كسر الجدار بيدي. سأمرن عضلاتي وأستخدم المطرقة لتكسير الحائط.
مربوط بزمن تحديد وقت للبدء ووقت للإنتهاء من العمل. قريباً سأدخل الجامعة سأتخرج منها بسرعة. سأبدء دراستي الشهر القادم وسأعمل للتخرج بعد 4 سنوات.

كحال الهدف الأسمى، الدور في الحياة، سيكون عليك وضع معالم في طريق الأهداف الرئيسية أو تقسيم الأهداف الرئيسية إلى أهداف صغيرة، والأهداف الصغيرة إلى أصغر. وهكذا حتى تصل من الهدف الرئيسي إلى ما يتوجب عليك انجازه هذه السنة، هذا الشهر، هذا الأسبوع، وهذا اليوم. هذه المهام التي وضعتها، هي الأمور الأساسية والواجبات التي ستكون في أعلى هرم أولوياتك، كما سنشاهد لاحقاً. الآن، لنستخدم الصفات الخمس السابقة، ونطبقها في وضع بعض الأهداف سنوية والأهداف شهرية لهدف (الحصول على درجة البكالوريس في الإقتصاد):

تحديدك لأهدافك الرئيسية كان بسؤالك نفسك، كيف أستطيع بلوغ دوري في الحياة. وكذلك ستتمكن من تحديد أهدافك السنوية والشهرية. فأنت، وكجزء من الرقابة الذاتية التي تحدثنا عنها في الفصل السابق، أنت تسأل نفسك، كيف أصل للهدف الرئيسي؟ أو ماهي المهارات التي يجب أن أطور نفسي فيها، وكيف أتقنها؟ معظم الأهداف السنوية والشهرية، لن تحتاج للبحث عنها، بل هي من سيعثر عليك. فمن اليوم الأول لك في مقاعد الجامعة، ستتعرف على الواجبات، والمهام المطلوب منك أدائها، وهذه أهداف. لاحقاً، وأثناء دراستك ستكتشف نقاط ضعفك، والمواد الدراسية التي تشعر بأنها ثقيله وتحتاج لعمل إضافي، وبالتالي سيكون بحثك عن طريقة للتغلب على الصعوبات فيها، هدف آخر. وهكذا…