جاسم الهارون

مقالات التطوير

مصفوفة الأهمية والعجلة


(العمر سينقضي والعمل لن ينتهي) حكمة بسيطة، ولكنها عميقة، ذكرها لي أحد الأصدقاء في العمل ليقنعني بعدم حاجتي للجدية في العمل وأن أحاول دائماً تأجيل ما يمكن تأجيله من مهام تسلم إلي. دعونا لا نحكم على حكمة صديقي على أنها سلبية إطلاقاً، ولنفكر قليلاً في طبيعة دورة المهام التي توكل إلينا. يمكنك أن تلاحظ بأنها عجلة تدور دون أن يكون لها بداية أو نهاية، من وقت إستيقاظك إلى ساعة نومك، أنت في عمل وحركة مستمرة. وحتى توقفك عن الحركة لا يعني أن المهام ستتحول إلى غيرك، بل إنها ستتراكم، وحين تعاود الحركة ستنصدم بكمية الأعمال، التي تجعلك لا تدري من أين تبدأ. ولاحظ أننا عندما نتحدث عن المهام، فإننا لا نقصد تلك التي تقوم بها في عملك فقط. فهذه المهام تشمل جميع الأمور التي تقوم بها خلال حياتك، سواء تلك التي على علاقة بأهدافك أو التي تفعلها للتسلية.

الأهمية والعجلة!

إدارة الأولويات يبدأ من فرز وتنظيم الأعمال التي تشعر بوجوب عملك عليها. بطبيعة الحال الأعمال لا تأتي منظمة، فستجد نفسك أمام مهام على علاقة بأهدافك وأخرى أمور ثانوية تقع خارج الطريق الرئيسي الذي سيوصلك لتحقيق دورك في الحياة. وأيضاً تلك المهام تختلف بحسب قرب أو بعد موعد تسليمها، فهناك أعمال ضرورية يجب أن تنهيها خلال ساعة، وأخرى تنهيها خلال أسبوع، وغيرها قد تكون مطلوبة خلال سنة. مصفوفة الأهمية والعجلة، توجب عليك تحليل الأعمال الواردة لك، وفق هذين البعدين: الأهمية والعجلة.

المهم:

وهي المهام التي تكون على علاقة بأهدافك وتحقيقها. كلما كانت العلاقة بين المهمة والهدف الرئيسي أقوى كلما زادت أهمية تلك المهمة. فمثلاً، بالنسبة للطالب الجامعي قد تكون الواجبات والمهام الدراسية في أعلى قمة الأهمية، وقد يليها العلاقات الإجتماعية، ثم الأمور المالية. حين يتخرج الطالب من الجامعة، تكون الأمور المالية هي الأهم، ثم الإجتماعية، وبعدها التطوير الذات والدراسي. وطبعاً هذا يختلف من شخص لآخر.

العاجل:

وهي المهام التي تتطلب منك القيام بإجراء عاجل ومباشر. بمعنى أنه يتوجب عليك إنجاز المهمة الآن، وإلا فإن المهمة والفائدة التي المفترض تحصيلها من إنجازك لها ستنقضي.

عندما تجمع البعدين، ستجد أن الأعمال تتوزع وفق الجدول التالي:

كيف توزع المهام في المصفوفة؟

الخطوات التالية تساعدك على توزيع المهام على المصفوفة ومعرفة أولوياتك:
1. تأكد من معرفتك لأهدافك والمشاريع التي يتوجب عليك العمل عليها لتحقيق تلك الأهداف. وسيساعدك في ذلك قراءتك لما ذكرناه في مواضيع تحديد الأهداف عموماً، وموضوع التخطيط المعكوس خصوصاً. حين تنتهي من تحديد الأهداف سيصبح الطريق أمامك واضحاً.
2. صنف المهام وفقاً للأهمية، مثلاً، يمكنك استخدام الترتيب من 1 إلى 5، حيث 1 تمثل الأقل أهمية، و5 الأعلى أهمية. تذكر أن الأهمية هنا، تحسب بناءاً على علاقة المهام بالأهداف الذي تسعى لتحقيقها. حاول أن تتجاهل الترتيب الزمني ومدى العجلة للإنجاز في هذه المرحلة.
3. بعد أن إنتهيت من تصنيف المهام وفقاً لأهميتها، قم الآن بتصنيفها وفقاً للعجلة. في هذه المرحلة يمكنك وضع أو تخيل توزيع المهام في المصفوفة.
4. استخدام الإستراتيجيات التالية في التعامل مع المهام الواقعة في كل مربع من المربعات الأربعة.

1. استراتيجية التعامل مع العاجل والمهم (المهام الحرجة):

المهام الواقعة في هذه المربع هي إحدى نوعين: الأولى المهام التي لم تكن في الحسبان والتي لم تتمكن من توقعها، والثانية هي المهام التي قمت بتأجيل العمل عليها حتى اللحظة الأخيرة. هذه الأخيرة يتوجب عليك التقليل منها من خلال التخطيط الجيد لأعمالك، واستبعاد المهام الغير مهمة من جدولك كي تركز على المهام المهمة حتى وإن كان موعد تسليمها لا يزال بعيداً. المهام الأخرى، تلك التي يمكننا القول بأنها طارئة ولا يمكن توقعها، هي أمور قد لا يكون من ممكن تجنبها، فمديرك أو مدرسك قد يعطيك مهمة في اللحظة الأخيرة، وقد لا يكون تأجيل العمل عليها خياراً متاحاً. ماذكرناه عن التخطيط المبكر، وانجازها قبل موعد تسليمها بوقت كاف، سيساعدك كثيراً في إدارة الأعمال الطارئة من هذا النوع.

حين تواجه مهمة طارئة ابدأ بمراجعة جدولك، وملاحظة المهام التي يمكنك تأجيل العمل عليها وابدالها بالعمل على المهمة الطارئة.

2. استراتيجية التعامل مع العاجل والغير مهم (المقاطعات):

المهام الواقعة في هذه المربع هي أكثر مصادر التشتيت وإضاعة الوقت والجهد فيما لا يفيد. المشكلة الرئيسية في هذه المهام أنك في الغالب تجد صعوبة في تمييزها، أو الإنتباه لكونها مشتته إلا بعد أن تلتزم أو تبدأ بالعمل عليها. وهنا التعامل مع هذه المقاطعات يبدأ من تطوير اسلوب تعاملك مع الأشخاص الذين يقاطعون عملك، أو الأشخاص الذين تود أن تعطيهم بعض وقتك في مساعدتهم. بالتالي، يمكننا القول بأن التعامل الصحيح مع المهام التي تدخل في هذا المربع يمكن في تقليلها بقدر المستطاع. يتوجب عليك تعويد نفسك قول “لا” حين يتوجب عليك قولها، ومحاولة تشجيع الآخرين على القيام بواجبتهم بأنفسهم. أيضاً، سيفيدك أيضاً تخصيص الوقت بشكل مسبق لمساعدة الآخرين، فمثلاً، بدل أن تفتح الباب على مصراعية للمقاطعات، يمكنك تخصيص ساعة من يومك، أو يوم من اسبوعك تسمح فيه بالمقاطعات، وتعوّد من حولك على أن لا يتوقعون مساعدتك خارج ذلك الوقت المخصص.

3. استراتيجية التعامل مع الغير عاجل والمهم (الأهداف المهمة):

هذه المهام التي نجحت في التخطيط المبكر لها، وأنت تعمل عليها الآن لأنها ستساعدك على تحقيق هدف في المستقبل. تذكر أن تخصص وقتاً كافياً لإنجاز الأعمال، ومعرفة ترتيب ما يتوجب عليك إنجازه أولاً من هذا المربع، كي لا تخرج المهام من هذا المربع لتقع في مربع العاجل والمهم. أيضاً حينما تخطط ضع وقتاً احتياطياً لإنجاز المهام التي أخذت وقتاً أطول من المتوقع وكذلك لتغطية ضيق الوقت الناتج عن دخول مهمة طارئة ومهمة على جدولك. الإدارة الجيدة للأولويات يعني أن معظم ما تعمل عليه من مهام يقع ضمن هذا المربع.

4. استراتيجية التعامل مع الغير عاجل والغير مهم (المشتتات):

هذه المهام أيضاً مشتتات، ولكنك لا تشعر بالحاجة للعمل عليها الآن. بعضها يمكنك تجاهله ببساطة، والآخر قد تجد أن هناك أشخاص يضغطون عليك لإنجازه. تعاملك مع هذا المربع لن يختلف كثيراً عن التعامل مع المربع الثاني.