جاسم الهارون

مقالات التطوير

ما هو دورك في الحياة؟


من الأسئلة التي تبدو بسيطة حتى نسألها أنفسنا السؤال عن الدور أو الهدف في الحياة. قد تكون الإجابة التي يعرفها كل مسلم ومسلمه بأن السبب هو عبادة الله تعالى. ولكن هذا الهدف الأسمى له متطلبات، وواجبات يومية، أسبوعية، شهرية، سنوية، وحتى هناك متطلبات ستعمل عليها عمرك كله. هذه المتطلبات ليست فقط روحانية كما قد يربطها البعض بمعنى العبادة، بل إنها أمور تمس حياتك الشخصية، أسرتك، علاقاتك الإجتماعية، وطنك، وحتى العالم أجمع.

لتعرف الإجابة على هذا السؤال، ستحتاج لمعرفة ثلاثة أشياء رئيسية:
من أنت؟
ماذا تريد أن تغير؟
لماذا تريد أن تغير؟

قبل أن أتحدث عن هذه النقاط الثلاث، أدعوك لمشاهدة هذا المقطع للكاتب باولو كويلو (صاحب رواية الخيميائي). المقطع باللغة الإنجليزية، ويتحدث فيه باولو عن نظرته لمعنى الحياة، ولأن المقطع بالإنجليزية ستجد سرداً لأهم النقاط التي ذكرت فيه أسفل المقطع.

أهم النقاط التي ذكرت في المقطع:

- حسب رؤية باولو لا يمكن تعميم معنى الحياة، فمعنى الحياة يختلف من شخص لآخر.
- معنى الحياة بالنسبة للشخص هي القيمة التي يضيفها أو يعطيها الشخص للفترة الزمنية التي يعيشها على الأرض.
- ليكون لديك معنى لحياتك يجب أن يكون لديك هدف كبير وحلم تطمح للوصول إليه.
- الهدف أو الحلم الذي تسعى لتحقيقه، يجب أن يصبح هو حياتك، وليس أمراً ثانوياً تعمل عليه في وقت فراغك.
- لا تخاف من الفشل، فأنت حتى وإن لم تحقق حلمك فأنت كنت سعيداً بعملك وحياتك كان لها معنى.
- لمثابرة هي سر النجاح وتحقيق الهدف.

ما هو هدفك في الحياة؟

هذا سؤال مهم يجب أن تسأله نفسك، وتفكر فيه كثيراً. أحياناً يقيدنا الخوف من كون الواحد منا، شخص بسيط، واحد من سبعة مليار شخص على وجه الأرض. فنقول لأنفسنا، أين أنا من البقية، وهل لو عملت أو لم أعمل سيتغير شيء؟ الجواب لديك، إن كنت ترغب بتغيير شيء بصدق، فصدقني بأن هذا ما سيحدث. أنظر إلى هنري فورد، توماس أديسون، وارن بافيت، سام والتون، أوبرا وينفري، ستيف جوبز، بيل قيتس وغيرهم كثير. كل هؤلاء بدأوا من الصفر، أو ربما تحت الصفر. أصروا وثابروا حتى أصبحوا قادة للتغيير والتطوير في العالم.

السؤال الأول: من أنت؟

أنت مزود بقدرات، ولديك مؤهلات، قد تكون أفضل من تلك التي زود بها أولئك الأشخاص. ولكن الأمر الذي يفرق بينك وبينهم، هو مدى معرفتك بالأشياء التي أنت تمتلكها والتي بإمكانها مساعدك لتحقيق ما حققوه وأفضل. لا توجد وصفة سرية للنجاح، ولا أحد غيرك يمتلك الإجابة على السؤال المهم: “من أنت؟”. تأكد من أنك لو تعرفت على إجابة السؤال فإنك ستكون قد قطعت نصف المشوار، وسيتبقى أن تتحلى بالإصرار والصبر لتحقيق ما أردته. عملية البحث ليست سهلة، وستأخذ منك بعض الوقت. ويبقى أن البدء حتى وإن كان متأخراً أفضل من عدم البدء والمحاولة على الإطلاق.

طبعاً، أنا لا أملك الإجابة على السؤال، ولكني أستطيع إعطائك نقطة البداية. وهي بقيامك بإختبار تحديد الشخصية الموجود في الموقع. بنهاية الإختبار ستتمكن من التعرف على شخصيتك بالتفصيل، ونقاط ضعفك وقوتك الخاصة، وأيضاً سيمكنك معرفة إلى أي الأدوار الأربعة الرئيسية تنتمي. وهذه ستساعدك على معرفة ميولك الشخصية العامة، والمجالات التي إن تخصصت فيها فإنك في الغالب لن تجد مشكلة في إقناع نفسك على الإصرار والعمل.

السؤال الثاني: ماذا تريد أن تغيير؟

في الخطوة السابقة تعرفت على قدراتك الشخصية، والآن يجب أن تفكر في ماذا ترغب أن تستثمر قدراتك. في قسم آخر من هذا الموقع، ستجد أنني قد وضعت فصلاً كاملاً عن الأهداف، يمكنك الإستعانة به في وضع هدفك الرئيسي والأهداف التي ستوصلك إليه. ولكن ما ينبغي عليك تذكره هنا، أن هدفك الرئيسي في الحياة، يجب أن يكون هدفاً عاماً، وليس محدداً وبسيطاً. وذلك لأنك ستلاحظ أثناء حياتك، أن هناك متغيرات تحدث، وأنك قد تعمل على مشروع وفي النهاية تكتشف بأن آخرين قد سبقوك إليه. لذلك حدد في الهدف الرئيسي حدد الوجهة ولا تحدد الهدف.

كيف ذلك؟ لنأخذ مثال ستيف جوبز الذي بدأ في السبعينيات من القرن الماضي. هل تعتقد بأنه في بدايته كان يفكر في تطوير شركة لأفلام الرسوم المتحركة (بيكسار)؟ أو هل كان اختراع الأيبود أو الأيفون في ذهنه. هو بدأ في المجال الذي يعشقه، تطوير أجهزة تقنية تغير وجه العالم. بدأ بالحواسيب الآلية، ولو قرأت قصته ستجد أنه غير الأهداف البسيطة المؤدية للهدف الرئيسي، دون أن يغير هدفه الرئيسي، لأنه هدف غير محدد بتخصص دقيق أو آلة معينة.

وضع هدف محدد والإصرار على بلوغه دون أن تزود نفسك بالمرونة، والقدرة على التكيف مع المتغيرات، لن يعطلك عن بلوغك هدفك. ولكن عندما ستصل إليه ستجد أنك في الغالب لم تحقق إنجازاً بل إخفاقاً. وأنظر إلى شركة (كوداك) التي خسرت مركزها كأفضل شركة لإنتاج أدوات التصوير الفوتوغرافي، فقط لأنها أبطأت في التكيف مع السوق الجديد ومتطلباته.

السؤال الثالث: لماذا تريد أن تغير؟

أخيراً، هذا السؤال متعلق بمعرفة الدافع الذي يجعلك تؤمن بفكرتك، وتبذل في سبيلها الغالي والنفيس. وهو سؤال مهم يغفل عنه البعض. وإذا لم تسأله نفسك في البداية وتضع له إجابة واضحة، فإنك في الغالب ستواجه مشكلة في تحفيز نفسك على متابعة السير. فإجابة هذا السؤال هي الوقود والزاد الذي ستتزود منه خلال سنوات عمرك، وفي طريقك لبلوغ هدفك الرئيسي. ما الذي جعل توماس أديسون يجرب أكثر من 10,000 مادة في محاولة لإختراع المصباح.

وهنا قد يساعدك استخدامك لإختبار تحديد الشخصية، ومعرفة ميولك الشخصية هل هي مادية، أم إجتماعية. وأيضاً حينما يكون الهدف نبيلاً، لا تنسى إستخدام الدافع الروحاني لمساعدتك على السير. وحينها لن يضرك ما يقوله الناس عنك، فرضاك النفسي، نابع من داخلك وليس من الآخرين. وحين تعمل وتحقق فتأكد بأنك ستجذب إليك أشخاصاً يحملون ذات أفكارك وسيساعدونك على تحقيق أهدافك.

مثال خاطئ، وتصحيحه:

بعد أن إنتهينا من ذكر هذه الأسئلة، قد يتوجب علي أن أذكر مثالاً واقعياً لمساعدتك على وضع هدف رئيسي لحياتك:

مثال خاطئ (هدفي في الحياة أن أحصل على وظيفة، أن أتزوج، وأمتلك منزلاً):

هذه جميعها أهداف صحيحة، ولكنها لا تمثل هدفك الرئيسي في الحياة. هي أهداف فرعية، قد توصلك لتحقيق أنجازات في حياتك، ولكنك ستكون ضمن قطيع من آلاف الأشخاص الذين يشاركونك ذات الأهداف، وإنجازاتك وإنجازاتهم متقاربة ولا شيء سيميزك عنهم.

المراجعة:

سنحتاج أن نسأل أنفسنا، لماذا أرغب بالوظيفة؟ ولماذا أريد أن أتزوج؟ ولماذا أرغب بإمتلاك المنزل؟ من خلال الإجابة ستعرف على الأسباب الفعلية لهذه الأهداف، وحينها ستجد بأن الطريق المؤدي إليها ليس فقط من خلال الوظيفة، الزوجة، والمنزل، فهناك طرق أخرى. حين تعرف السبب، لن تحتاج للتقيد بمعادلة وظيفة، زوجة، منزل لتكون ناجحاً. قد تفشل في تحقيق أحد تلك الأهداف، ولكن حين تعلم بأن بلوغ ذلك السبب الذي من أجله بحثت عن الوظيفة، الزوجة، والمنزل، يمكن تحقيقه من طرق أخرى، لن تواجه مشكلة في تصحيح طريقك.

التصحيح:

لنركز على موضوع الوظيفة، لو سألت نفسك لماذا أرغب بالوظيفة؟ قد تأتي بإجابة كـ (الإستقرار)، (الدخل المادي)، أو (تحقيق الذات). أياً تكن إجابتك، هل الطريق لها فقط من خلال الوظيفة. أي لو أنك قمت بالبحث والتقديم على عدة جهات، وقوبلت بالرفض، هل هذه هي نهاية حياتك؟ أم أنك تستطيع تحقيق إيجاد مصدر للدخل المادي، أو تحقيق ذاتك من أعمال أخرى. ربما سيكون الطريق شاقاً، ولكنك حين تعلم بأن هدفك هو الإستقرار، وأن كل يوم تقضيه وأنت تعمل يقربك من الإستقرار، فأنت في وضع أفضل من الإنتظار لحين أن يتم الرد عليك بعرض وظيفي.

كلمة أخيرة!

الصورة المجاورة، توضح تعقيد طريق الحياة وتشعبه. رسم خطة جامدة للطريق، من البداية قد يوصلك للهدف، ولكن قد لا يكون ذلك الهدف هو الذي ترغب بتحقيقه لحظة وصولك. فعلى مدى الطريق، ستتغير الأمور وسيتطور تفكيرك. في هذه اللحظة، وأنت في بداية الطريق، قد يكون عليك التركيز على معرفة إلى أي الإتجاهات ستميل (هدفك الرئيسي)، أقصى اليمين، الوسط، أو أقصى اليسار. وتختار أحد الطرق الفرعية (أهدافك الفرعية)، والتي من خلالها ستصل لذلك الهدف الرئيسي. أجعل هذه الصورة دائماً أمام ناظريك، وأنت تخطط وتعمل وتنجز.

معرفة دورك في الحياة سيساعدك على أن تركز مجهودك وعملك خلال حياتك في سبيل تحقيق هدف كبير. نعم قد يسبق القدر تحقيقك لهدفك، ولكن إنجازاتك على مدى الطريق هي ما سيبقى ويترك الأثر الكبير بعد رحيلك. وهذا ما نطمح له كلنا، أن نرحل من هذه الحياة، وتبقى آثارنا خالدة، يذكرها الناس، ويترحمون علينا.