جاسم الهارون

المدونة


مدرسة الإدارة التقليدية (الجزء الأول - الجزء الثاني) وضعت الأسس التي تقوم عليها عملية حل مشاكل في العمل. لاحقاً تطورت تلك المدرسة بسبب التفات الناس لحقوق العمّال في مكان العمل. قد لا نختلف على أن معظم الموظفين يهتمون بالدرجة الأولى بالمال، أو الراتب. لكن هذا لا يعني أن هناك جانب إجتماعي، نفسي وجسدي يهتم به الموظفين. مثال على ذلك، يمكنك أن توفر وظيفة راتبها خمسين ألف ريال شهرياً، وستجد أن الموظفين سيتقاتلون على الحصول عليها، ولكن لو علم هؤلاء الموظفين أنها ستكون وظيفة مراسل صحفي من وسط المعركة، يدركون أنها تعني إنقاطعهم عن أهلهم، عيشهم تحت ضغط نفسي وجسدي لمدة العمل، لإنسحبوا عن التقديم للوظيفة.

وبالتالي في مدرسة الإدارة السلوكية، قام الباحثون بدراسة العنصر البشري من المنظمة الإدارية، وانقسمت إعمالهم إلى قسمين:
- العلاقات البشرية في سلوك الموظفين (Human Relations Approach to Worker Behavior).
- العلوم السلوكية في سلوك الموظفين (Behavioral Science Approach to Worker Behavior).

العلاقات البشرية في سلوك الموظفين:

كانت بدايات هذه المدرسة في عشرينات وثلاثينيات القرن الماضي، وبشكل عام تؤصل هذه المدرسة لأهمية الأفراد في المؤسسة. وضع أساسيات هذه المدرسة الدكتور إلتون مايو، ومن أهم أعماله دراسة هاوثورن. من خلال تلك الدراسة تم استنتاج أن التغيير في مكان العمل يزيد من انتاجية الموظفين على المدى البعيد وبنسبة بسيطة. ومما اثبتته النظرية أن الطريق إلى زيادة انتاجية الموظفين يمكن في:
- تفهم الحاجات النفسية أو العاطفية والحاجات الجسدية أو صحة الموظف.
- شرح الأسباب المؤدية للقرارات الإدارية.
- وإشعار الموظف بأهمية عمله ومشاركته في الشركة، وأن الإدارة تقدر ذلك له.
بينت هذه الدراسة للباحثين أهمية الجانب الإنساني للموظف، وبناء عليها بدأ الشق الآخر من المدرسة السلوكية بالظهور.

العلوم السلوكية في سلوك الموظفين:

النظريات السابقة لسلوك الموظفين كانت تحاول فهم سلوك الموظفين بناء على إحدى الحاجات للوظف، مثلاً إرضاء غرور الموظف. لكن باحثي سلوك الموظفين الجدد بدءوا بمحاولة لدراسة وفهم أكثر من حاجة في نظرية واحدة. أهم الباحثين والنظريات التي استنتجوها كانت كالتالي:
- إبراهيم مازلو، وضع نظرية تعرف بـ”نظرية مازلو لتدرج الحاجات“، أو “هرم مازلو لتدرج الحاجات”. في هذه النظرية قام مازلو بتقسيم الهرم إلى خمس شرائح. في كل شريحة وضع نوع من أنواع الحاجات التي يطلبها البشر. بشكل عام تتدرج هذه الحاجات من حيث الأهمية من الأسفل إلى الأعلى. فالإنسان الذي يبدأ وهو لا يملك شيئاً يسعى للحصول على الحاجات من الطبقة الدنيا، وبعد أن يتشبع، يبدأ بالبحث عن اشباع الحاجات من الطبقة التي تعلوها وهكذا. وفي حالة عدم إشباع حاجة لمدة طويلة قد تتسبب في ضغوطات شخصية تؤثر على نفسية الشخص.يستخدم هذا الهرم بشكل رئيسي في تحفيز الموظفين، فالموظف الذي اشبع رغباته من الطبقة الأولى لن يشعر أنك قد قدمت له شيئاً لو وفرت له مزيداً من الطعام. شكل الهرم يكون كالتالي:

- دوقلاس ماقريقور، استكشف الجانب البشري من المنظمة الإدارية، ووضع أساسيات النظرة التقليدية والحالية لسلوك الموظفين. البعض يرى الناس على أنهم عاطفيين وودودين ولا يحتاجون للكثير من الأنظمة والقوانين الصارمة، وآخرون يرون أن الناس الحاجة للصرامة والملاحظة الدقيقة. بشكل عام من هاتين النظرتين وضع دوقلاس نظريتاه الشهيران، النظرية اكس والنظرية واي.
1. تقول النظرية أكس، أن الموظفين كسولين وسيتجنبون العمل متى ما أمكنهم ذلك لأنهم يكرهون العمل. وبالتالي، الإدارة يجب أن تكون صارمة مع إشراف دائم ومتابعة دقيقة.
2. أما النظرية واي فتقول، بأن الموظفين طموحين ويمتلكون حس تحفيز الذات ومراقبتها. وأنهم أيضاً يتمتعون بأداء التحديات الجسدية والذهنية التي يواجهونها في العمل. وبالتالي فالإدارة يجب أن تقوم على الثقة المتبادلة.

- فريدريك هرزبرق، قام بدراسة استنتج من خلال نظرية التحفيز والصيانة. تقول هذه النظرية أن مكان العمل يحتوي على عنصرين وهما المحفزات والصيانة. المحفزات، وهي تحدث من العمل نفسه وتعطي شعور إيجابي تجاه العمل. مثلاً، القيام بالعمل، تحقيق إنجاز، تقدير الذات، الشعور بالمسؤولية، الترقية، أو التطور الوظيفي والشخصي. أما الصيانة، فهي ذات علاقة بالإنتاجية في العمل ولكنها تحدث من طرف خارج نطاق العمل. مثلاً، الراتب والفوائد المادية، نظام المؤسسة وقوانينها، العلاقة مع الزملاء في العمل، المتابعة، الحالة العامة، الأمن الوظيفي، أو الحياة الشخصية. ومن أهم استنتاجات فريدرك التالي:
1. الناس يشعرون بالضيق من بيئة العمل السيئة، ولكنهم غالباً لا يظهرون الراحة عندما تكون البيئة مناسبة.
2. الوقاية من عنصر محفز لقلة الرضا بذات أهمية تشجيع عنصر محفز للرضا.
3. عوامل الصيانة تعمل بشكل مستقل عن عوامل التحفيز، فمن الممكن أن يكون أن يكون موظف متحفزاً ومتشجعاً للعمل بشكل ممتاز جداً مع أن البيئة التي يعمل فيها لا تتوفر فيها عوامل صيانة.
4. جميع عوامل الصيانة بذات الأهمية، على الرغم أن ظهورها يختلف من عامل لآخر.
5. عوامل الصيانة تأثيرها يكون على المدى القصير فقط. فأي تغيير فيها سيؤدي إلى إزالة جزئية أو تجنب لإنعدام الرضا للموظف.
6. عوامل الصيانة تحدث بشكل دوري، وهذا يؤدي إلى التساؤل الذي يواجهه مدير من موظفيه بعبارة: “ما الذي قدمته لي في الفترة الأخيرة؟”
7. عوامل الصيانة لا تعتبر حل نهائي للمشكلة.

- بيتر دراكر، من أشهر وأهم باحثين علم الإدارة الحديث. كتب عدد من الكتب والمقالات توقع فيها شكل الإدارة في المستقبل، وتحقق الكثير منها. أدخل فكرة الإدارة بالهدف أو “(Management by Objective (MBO” أو وضع هدف في منطقة من المؤسسة يتطلب من الموظفين بلوغ نتيجة أو انتاجية. أيضاً تحدث عن اللامركزية في مكان العمل، وعن التعاقد مع مؤسسات أخرى لتأدية جزء من العمل.